محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
75
سبل السلام
الحصر في الركوب والزينة ، فإنه ينتفع بها في غيرهما اتفاقا ، وإنما نص عليهما لكونهما أغلب ما يطلب ، ولو سلم الحصر لامتنع حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير ولا قائل به الثاني : من وجوه دلالة الآية على تحريم الأكل : عطف البغال والحمير فإنه دال على اشتراكهما معها في حكم التحريم فمن أفرد حكمهما عن حكم ما عطف عليه احتاج إلى دليل . وأجيب عنه بأن هذا من باب دلالة الاقتران وهي ضعيفة . الثالث : من وجوه دلالة الآية : أنها سيقت للامتنان فلو كانت مما يؤكل لكان الامتنان به أكثر لأنه يتعلق ببقاء البنية . والحكيم لا يمتن بأدنى النعم ويترك أعلاها سيما وقد أمتن بالأكل فيما ذكر قبلها : وأجيب بأنه تعالى خص الامتنان بالركوب لأنه غالب ما ينتفع بالخيل فيه عند العرب فخوطبوا بما عرفوه وألفوه ، كما خوطبوا في الانعام بالأكل وحمل الأثقال لأنه كان أكثر انتفاعهم بها لذلك ، فاقتصر في كل من الصنفين بأغلب ما ينتفع به فيه . الرابع : من وجوه دلالة الآية : لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة التي أمتن بها وهي الركوب والزينة . وأجيب عنه : بأنه لو لزم من الاذن في أكلها أن تفنى للزم مثله في البقر ونحوها مما أبيح أكله ووقع الامتنان به لمنفعة أخرى . وقد أجيب عن الاستدلال بالآية بجواب إجمالي وهو : أن آية النحل مكية اتفاقا والاذن في أكل الخيل كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين ، وأيضا فإن آية النحل ليست نصا في تحريم الأكل ، والحديث صريح في جوازه ، وأيضا لو سلم ما ذكر كان غايته للدلالة على ترك الأكل وهو أعم من أن يكون للتحريم أو للتنزيه أو خلاف الأولى ، وحيث لم يتعين هنا واحد منها لا يتم بها التمسك ، فالتمسك بالأدلة المصرحة بالجواز أولى . وأما زعم البعض أن حديث جابر دال على التحريم لكونه ورد بلفظ الرخصة ، والرخصة استباحة المحظور مع قيام المانع ، فدل أنه رخص لهم فيها بسبب المخمصة فلا يدل على الحل المطلق ، فهو ضعيف لأنه ورد بلفظ أذن لنا ولفظ أطعمنا فعبر الراوي بقوله : رخص لنا عن أذن لا أنه أراد الرخصة الاصطلاحية الحادثة بعد زمن الصحابة ، فلا فرق بين العبارتين أذن ورخص في لسان الصحابة . 4 - ( وعن ابن أبي أو في رضي الله عنهما قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد ) وهواسم جنس ، والواحدة جرادة ، يقع على الذكر والأنثى كحمامة ( متفق عليه ) وهو دليل على حل الجراد . قال النووي : وهو إجماع وأخرج ابن ماجة عن أنس قال كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يتهادين الجراد في الاطباق . وقال ابن العربي في شرح الترمذي : إن جراد الأندلس لا يؤكل لأنه ضرر محض . فإذا ثبت ما قاله فتحريمها لأجل الضرر ، كما تحرم السموم ونحوها . واختلفوا هل أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجراد أم لا ؟ وحديث الكتاب يحتمل أنه كان يأكل معهم إلا أن في رواية البخاري زيادة لفظ : نأكل الجراد معه قيل : وهي محتملة أن المراد غزونا معه فيكون تأكيدا لقوله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن المراد نأكل معه . قلت : وهذا الأخير هو الذي يحسن حمل الحديث عليه إذ التأسيس أبلغ من التأكيد ويؤيده ما وقع في الطب